محمد الحفناوي

458

تعريف الخلف برجال السلف

الانصراف قال له الشيخ : أقم عند أخيك ضيفا ، وعلي مؤونتك ما دمت هنا ، وبعد مدة أمر الشيخ سيدي محمد بالرجوع إلى وطنه لبثّ العلم وتربية الخلق ، ودعا له دعوات ظهرت فيه أسرارها وسطعت عليه أنوارها ، فكان هو الشيخ الإمام والأستاذ الهمام واسطة عقد العارفين وكمّل المتصوقين ، الجامع بين الشريعة وطريقتها والولاية وحقيقتها ببركة شيخه علامة الزمان وفريد العصر والأوان ، صاحب التصانيف المنيفة والتقارير الشريفة ، سيدي محمد بن سالم الحفناوي المصري المتوفى يوم السبت 17 ربيع الأول سنة 1181 رضي اللّه عنه ونفعنا ببركاته وكان وجهه إلى السودان لنشر الأوراد ونفع العباد ، ثم أمره بالرجوع إلى مصر ، فرجع وألبسه الخرقة وصرفه إلى وطنه كما تقدم ، ولما استقر به جدد غرس الإيمان والإحسان في القلوب ، وبدد غياهب النفوس بذكر علام الغيوب ، [ 46 ] وكان الشيخ أذن له في التربية وتعليم خلق اللّه بما هم مطالبون به ، فأخذ عنه الجم الغفير وسلك على يده الكثير ، وذلك سنة 1183 فاشتهر أمره وأشرق نوره ، وفاضت مواهبه اللدنية بعلوم الدين ومعارف القوم ، وصار كوثر الوراد وبغية الرواد ، يطهر البواطن بالتهذيب الخلوتي ، ويطيب النفوس بالشريعة السمحاء ، ولا يخاطب الناس إلا بما يفقهون مراعاة للحال والمقام ، فانتفع بإرشاده الخواص فضلا عن العوام ، وسارت بذكره الركبان في سائر الأوطان ، وانجذب إليه أهل التل والصحراء ، وطلبه عمال المدن الكبرى وبالأخص صاحب الجزائر ، فدخلها واحتفل به علماؤها ، وكانوا قد امتلأت أسماعهم من أخباره وأدهشهم ما بلغهم من أسراره ، ولما اجتمعوا حوله وفي نفوسهم مسائل يريدون بها اختباره سكتوا طويلا ، وكل منهم يشير بخائنة عينه إلى صاحبه أن ألق سؤالك ، والشيخ مطرق مشتغل بسبحته ، ولم يتجاسر منهم أحد عليه ، فرفع رأسه قائلا : أيها السادة ما لي أراكم صامتين ، وهل الجامع إلا للذكر فهلموا إليه أو لطلب العلم ، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ،